أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

212

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقوله : إِلَّا اللَّهُ بدل من الضمير المستكنّ في « يَغْفِرُ » التقدير : لا يغفر أحد الذنوب إلا اللّه ، والمختار هنا الرفع على البدل لكون الكلام غير إيجاب ، وقد تقدّم تحقيقه عند قوله تعالى : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ « 1 » . وقال أبو البقاء : « وَمَنْ » مبتدأ ، و « يَغْفِرُ » خبره ، و « إلّا اللّه » فاعل أو بدل من المضمر وهو الوجه ، لأنك إذا جعلت اللّه تعالى فاعلا احتجت إلى تقدير ضمير أي : ومن يغفر الذنوب له غير اللّه » وهذا الذي قاله - أعني جعله الجلالة فاعلا - يقرب من الغلط فإنّ الاستفهام هنا لا يراد به حقيقته ، إنما يراد النفي ، والوجه ما تقدّم من كون الجلالة بدلا من ذلك الضمير المستتر العائد على « من » الاستفهامية . قوله : وَلَمْ يُصِرُّوا يجوز أن تكون جملة حالية من فاعل « استغفروا » أي : استغفروا غير مصرّين ، ويجوز أن تكون هذه الجملة منسوقة على « فَاسْتَغْفَرُوا » أي : ترتّب على فعلهم الفاحشة ذكر اللّه تعالى والاستغفار لذنوبهم وعدم إصرارهم عليها ، وتكون الجملة من قوله : « وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ « إِلَّا اللَّهُ » على هذين الوجهين معترضة بين المتعاطفين على الوجه الثاني ، وبين الجلالة وذي الحال على الأول . قوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ يجوز أن تكون حالا ثانية من فاعل « استغفروا » وأن تكون حالا من فاعل « يُصِرُّوا » ، ومفعول « يَعْلَمُونَ » محذوف للعلم به ، فقيل : تقديره : يعلمون أنّ اللّه يتوب على من تاب ، قاله مجاهد . وقيل : يعلمون أنّ تركه أولى ، قاله ابن عباس والحسن . وقيل : يعلمون المؤاخذة بها أو عفو اللّه عنها . و « ما » في قوله : « عَلى ما فَعَلُوا » يجوز أن تكون اسمية بمعنى الذي ، ويجوز أن تكون مصدرية . والإصرار : المداومة على الشيء وترك الإقلاع عنه وتأكيد العزم على ألّا يتركه ، من صرّ الدنانير : إذا ربط عليها ، ومنه « صرّة الدراهم » لما يربط بها . وقال الحطيئة يصف خيلا : 1437 - عوابس بالشّعث الكماة إذا ابتغوا * علالتها بالمحصدات أصرّت « 2 » أي : ثبتت وأقامت مداومة على ما حملت عليه . وقال الشاعر : 1438 - يصرّ باللّيل ما تخفي شواكله * يا ويح كلّ مصرّ القلب ختّار « 3 » [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 136 إلى 139 ] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 136 ) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 137 ) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 138 ) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) قوله تعالى : مِنْ رَبِّهِمْ : في محلّ رفع نعتا لمغفرة ، و « مِنْ » للتبعيض أي : من مغفرات ربهم . قوله : خالِدِينَ حال من الضمير في « جَزاؤُهُمْ » لأنه مفعول به في المعنى ، لأنّ المعنى : يجزيهم اللّه جنات في حال خلودهم ، وتكون حالا مقدرة . ولا يجوز أن تكون حالا من « جَنَّاتٌ » في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى ، إذ لو كان

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 130 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 341 ) . ( 3 ) انظر البيت في تفسير القرطبي 4 / 211 .